الجمعة, 26 يونيو 2009 18:05
وسائط الإعلام الغربي ... وانفتاح المرأة السعودية
-
حجم الخط
تصغير الخط
تكبير الخط
- طباعة
- بريدك الألكتروني

لا تزال قضية المرأة السعودية تشكل إحدى الوجبات الدسمة في وسائل الإعلام الغربية، فما إن تنجح إحدى الوسائل المرئية أو المقروءة في الحصول على قصة عن امرأة سعودية، حتى تحولها إلى موضوع رئيس؛ يتصدر برامجها التلفزيونية، وعناوين صفحاتها الإخبارية، ويعود تسليط الأضواء بهذه الكثافة على قضية المرأة السعودية إلى تاريخ ما يُسمى بحرب الخليج الثانية "حرب تحرير الكويت"؛ حيث كان لوجود نساء ضمن الجيوش المقاتلة، يقدن مركباتهن العسكرية بأنفسهن، حافزًا لمجموعة من السعوديات على القيام بتظاهرة، وقيادة سياراتهن بشكل جماعي في شوارع مدينة الرياض، وهي الحادثة التي نالت تغطية إعلامية واسعة آنذاك، جلبت معها الأنظار الغربية إلى وضع المرأة السعودية.
هدأ أمر المرأة السعودية لفترة زمنية، إلى أن انبعثت جذوتها من جديد، على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م؛ لتعيد التوهج مجددًا للقضية، مشكلة بذلك مثار جدل واسع من قِبل وسائل الإعلام الغربية. ومنذ ذلك الوقت والمجتمع الغربي يراقب عن كثب الحالة في السعودية، وبخاصة من قِبل النشطاء؛ الذين كثفوا جهودهم حول تفاصيل حال المرأة السعودية، على خارطة المجتمع السعودي.
تقارير مراوغة
وأفرزت المتابعة اللصيقة التي قامت بها وسائل الإعلام الغربية لوضع السعوديات، والتي كانت تُسْتَقَى من تقارير الظل التي يكتبها سعوديون لا يمثلون الدولة رسميًّا، أو زيارات خاطفة يقوم بها مسئولون غربيون، يطلعون فيها على قضايا نسائية محدودة، أفرزت تلك المتابعة الغربية صورة نمطية، مفادها أن المرأة السعودية هي تلك المرأة المدججة بالسواد؛ التي لا تعلم ما يدور حولها، ولا تملك الخيار لنفسها، فهي تتبع الرجل حيثما وجهها، وتجُرُّ الجمل، وتعيش في عصور الظلام، منتهَكة الحقوق، مسلوبة الإرادة، لا حول لها ولا قوة، بدون عقل أو تفكير أو تمييز في أي شيء، ولم تتوقف الصورة عند هذا الحد، وزادت بوصف السعوديات بأنهن ليس لهن حق التصويت والانتخاب، ولا يُسمح لهن بقيادة السيارة، وأنهن ملزمات بالدراسة في أماكن تعليمية مستقلة عن تلك التي يدرس بها الرجال، كما أنهن لا يُسمح لهن بمزاولة أعمالهن إلا في أماكن خاصة بالنساء، ولا يُسمَح لهن بالالتحاق بمؤسسات تعليمية إلا بعد الحصول على إذن من أولياء أمورهن.
تبنت العديد من وسائل الإعلام الغربية ترويج تلك الصورة النمطية بشكل لافت، كما صدرت تقارير عن منظمات حقوقية، تناولت وضع المرأة السعودية بشكل تفصيلي، مثل تقرير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في فبراير 2008م، وتقرير قاصرات للأبد، لمنظمة هيومن رايتس ووتش، في إبريل 2008م.
واللافت للنظر: أن الكثير من التقارير الإعلامية والحقوقية الغربية تجيد في تناولها لقضية المرأة السعودية، فن المراوغة، وخوض المعركة بحنكة ودهاء، حيث توجه سهام النقد للمواضع الرخوة الضعيفة، ويتم غالبًا توظيف مقدمات صحيحة؛ ليتم التوصل من خلالها إلى نتائج معدة مسبقًا في أجندتهم، ومن خلال تتبع عشرات التقارير يظهر واضحًا أن الكثير منها لا يظهر بمظهر المخاصم للدين، أو الرافض لأحكامه، بل مداخلها في النقاش تتمحور حول الحاجات الاجتماعية والإنسانية للمرأة؛ حيث خرجت بعض التقارير الحقوقية بتوصيات طالبت فيها بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة السعودية، والحد من هيمنة الرجل عليها، وإلغاء النظام القاضي بمنع النساء من العمل، والانتفاع بالرعاية الصحية، والالتحاق بالمؤسسات التعليمية إلا بموافقة محرم من أقربائها.
كما أن بعض التقارير الغربية قامت بتصنيف بعض الشخصيات الدينية السعودية، بأنها تقدم فهمًا أحادي النظرة، وأنهم يغيبون آراء المذاهب الأخرى، ولا يوردونها في كتاباتهم ومناقشتهم، وأن كثيرًا من آرائهم وتفسيراتهم محكومة بنظرة مجتمعية، منقطعة الصلة عن الشريعة ومقاصدها، ويتم الضرب على هذه الأوتار، بتوجيه سهام النقد إلى هؤلاء الأصوليين؛ الذين يضيقون الخناق على المرأة، ولا يقبلون التعامل معها إلا بمنطق عزلها عن المجتمع والحياة، وحشرها خلف أسوار مغلقة - على حد تعبير تلك التقارير-، أما الدين، بعقائده وشرائعه وأحكامه؛ فهو محل احترام عندهم، ويحظى بكل تقدير وتبجيل في أوساطهم.
لكن في المقابل تتمثل نقاط ضعف تلك التقارير في عدم نقلها الصورة الواقعية لوضع المرأة السعودية؛ حيث يتم التركيز على الجانب السلبي مع تضخيمه، ودائمًا ما تبحث تلك الوسائل عن أية امرأة تعرضت لأذى؛ حتى تعزز بها صورة الاضطهاد "المزعوم"؛ الذي تعاني منه النساء في السعودية، بالإضافة إلى أن تناول القضايا يأتي بمعايير المجتمع الغربي؛ الذي يختلف عن الوضع السعودي، كما أن التناول الإعلامي يصاحبه غالبًا مظاهر الاحتقار والنظرة الدونية، حيث عنونت صحيفة نيورك تايمز، في أحد تقاريرها عن السعوديات، بكلمة "بلاك قوست" الأشباح السوداء، مشيرًا إلى أن المرأة السعودية مصنفة في الغرب بـممسـحة الأرجل الأثرية المغطاة بالسواد.
مفترق طرق
وأمام هذه النظرة الغربية، وقف من بداخل السعودية على مفترق طرق، وبين مؤيد ومعارض، فريق يؤيد النظرة الغربية، ويرى أن المرأة السعودية تُعامل معاملة غير عادلة، وتتعرض لقدر كبير من التفرقة والتمييز، وتعيش في مجتمع ذكوري، يستأثر بمفاصل الحياة فيه.
وفريق أخر يري خلاف ذلك، ويشدد على أن المرأة تتمتع بكامل الاحترام والتقدير، وليست كما يتوهم البعض بـأنها مقيدة الحرية، أفرز ذالك التباين في الرؤى معارك شرسة، ما زالت تُقرأ على صفحات الصحف والمجلات، وتشاهَد على شاشات التلفاز، في كل قناة تليفزيونية مولها النقد السعودي، وباتت معركة فكر، أُشهِرت لها الأقلام، وسُنَّت لها رؤوس المواضيع.
وبالرغم من أن كفة الميزان أكثر رجاحة لصالح الفريق المعارض للنظرة الغربية "التيار الديني"، إلا أن الفريق المؤيد استفاد كثيرًا من حالة الانفتاح؛التي سادت في السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر؛ حيث خدم هذا الحدث الضخم - بكل تداعياته- الفريق المؤيد، وجعله يفارق حالة الكمون وانخفاض الصوت، إلى حالة الانطلاق ورفع الصوت الجهير بمطالب تحرير السعوديات، معتبرًا أن التيار الديني فشل في دمجهن بالمجتمع، مستفيدًا من تكاثر نوافذ المعرفة، وتعدد وسائل الاتصال وتبادل المعلومات؛ التي أتاحت مساحات واسعة، ومنابر عريضة؛ للتعبير عن الرأي، ونشر الأفكار، في المحصلة، يبقى التأكيد على بروز لون جديد من التحدي أمام التيار الديني، مما ينبغي أن يقابل بما يناسبه من الأدوات والآليات والخطاب، فليس من المقبول الاستمرار فيما كان سائدًا قبل مرحلة الانفتاح والتحولات الجديدة، واقتصار الرد والمجادلة لمقولات الغربيين وأطروحاتهم بالتضليل والتجهيل؛ إذ لا بد من الانتقال بالخطاب الديني وصناعته، وإدراك طبيعة التحولات المجتمعية، وتداعيات اختلاف المواقع، فهناك أصوات لا يمكن إسكاتها بفتاوى تفسق وتبدع وتضلل، بل المطلوب مجادلة الأفكار، وتفنيد الأقوال، والتلطف مع الآخرين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم تحميل الكلام أكثر مما يحتمل.
تم قراءة الموضوع 56 مره
|
منشور في
ملف النهضة


























