بنى الله (سبحانه وتعالى)، الإسلام على خمس قواعد: الشهادتين، وهما الركن الأول.
أما الأركان الأربعة الباقية فتمثل ما يُسَمَّى بالعبادات، وهي: إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
وهذه العبادات حدّدها النبيّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) كمًّا وكيفًا.
ونلاحظ بالنسبة لهذه التكاليف التعبديّة أمرين:
الأول: أنَّ القرآن لم يُفصّل أغلبها من ناحية الكمّ والتوقيت، وما عُرِفَ بشأن تفصيلاتها إنما عُرِفَ من السنّة بنوعيها: القوليّ والعمليّ.
والثاني: أنَّ القرآن - في حديثه عن هذه العبادات- يحرص أن يربطها دائمًا بأهدافها وقيمها الأخلاقيّة والإنسانيّة العليا.
ولنقف قليلا أمام المنطق القرآنيّ وهو يشدُّنا لجوهر العبادة، والهدف النبيل الذي شُرِعَت من أجله، مكتفين بالحديث عن ركنين، هما: الصلاة والصيام: فالصلاة: - وهي عماد الدين- ذُكِرَت في القرآن عشرات المرات، والعجيب أنّ التعبير عنها كان دائما "بالإقامة" لا "بالأداء".
وقد أبان القرآن الكريم عن جوهر الصلاة، وغايتها، في قوله (تعالى): (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45).
فرسالة الصلاة هي إحياء النفس، وتربية الضمير، وصقل القلب، وغرس التقوى في أعماق المؤمن.
أما إذا تخلَّت الصلاة، أو شاء صاحبها أن تتخلَّى عن رسالتها فهي الاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار.
ومن كرامة الصلاة أن الله (سبحانه وتعالى) قرنها - أكثر من مرّة- بخليقة من أنبل الخلائق الإنسانيّة، وهي الصبر: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: 45).
والمصلِّي الذي يحرص على صلاته ويحافظ عليها يغرس الله في نفسه الطمأنينة، فلا يعرف الهلع أو الضعف أو الاستسلام في حالة الضرَّاء، وهو خير معطاء في السرَّاء.
يقول (تعالى): (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) (المعارج: 19 - 23).
والصوم: لا يُقصد به الإجاعة والإظماء، وإن كان هذا هو المظهر الحسيَّ للصوم، ولكن هدفه تحقيق تربية عُلويّة، لها جانبها الاجتماعيّ، وجانبها النفسيّ، وجانبها الإنسانيّ العام، وقد قيل لنبيّ الله يوسف (عليه السلام): مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟، قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ومن جوامع الكلم قوله (صلى الله عليه وسلم): "الصوم جُنة"، أي وقاية للإنسان من النَّهم، والبطنة وأمراض البدن والمعدة، وهو وقاية للإنسان من التطلُّعات الشهوانيّة، ومن السقوط والانحراف والإساءة إلى الآخرين.
فالالتزام الخُلقيّ للصائم يقتضيه ألا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنِّي صائم (انظر البخاريّ، كتاب الصوم).
والإنسان بالصوم يتخلَّص من عبوديّة العادات، فالصوم يقلب العادات رأسًا على عقِب، ويُعلّم الإنسان نوعًا من المرونة حتى لا يتصرَّف تصرُّف الآلة.
وصفوة القول أنَّ العبادات ليست في كونها حركاتٍ تؤدَّى، وشعائر تؤتَى، إنَّما قيمتها أن تكون منهج حياة، يشمل كل الحياة، قيمتها أن تكون خطّة سلوك، وخطّة عمل، وخطّة فكر، وخطّة شعور.
أخر تعديل في الأربعاء, 26 مايو 2010 22:26