الفتوى السياسية
مصر والفتاوى السياسية
منذ قيام الثورة المصرية عام 1952م، وسقوط النظام الملكي، نشأ الخلاف بين قادة الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، وتوج هذا الخلاف بقرار الرئيس جمال عبد الناصر - عام 1954م-بحل الجماعة، وحظر الانتماء إليها؛ لتبدأ فيما بعدُ حقبة هي الأسوء في تاريخ مصر، من استهداف الدولة للإسلاميين، عن طريق المطاردة والاعتقال والأحكام المشددة، وكان أهمها الحكم بإعدام الشيخ سيد قطب، عام 1966م؛ الذي أوصى عبد الناصر بتنفيذه، رافضًا وساطة المللك فيصل بن عبد العزير (رحمه الله)، ملك السعودية آنذاك.
لا بد من هذه المقدمة التاريخية عند تناول قضية الفتاوى السياسية لدى الجماعات الإسلامية، حيث تتحول الفتوى في كثير من الأحيان إلى سلاح ماضٍ، ليس فقط في يد هذه الجماعات، ولكن في يد النظام الحاكم ضد معارضيه من الإسلاميين، وحقيقة فقد استخدمت الجماعات الإسلامية المتشددة سلاح الفتوى في تبرير الخروج على الحاكم، وتجلى ذلك خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وظهور الجماعات المتشددة، وأبرزها التكفير والهجرة أو "جماعة المسلمين"، وجماعة حزب التحرير الإسلامي، وجماعة التوقف والتبيين، والقطبيين، وتنظيم الجهاد؛ الذي تحول فيما بعدُ إلى الجماعة الإسلامية والجهاد؛ التي خاضت صراعًا طويلا مع النظام، لم ينتهِ إلى الآن.
لكي نتناول الفتوى السياسية لدى الجماعات الإسلامية يجب أولا أن نفهم كيف يتعامل النظام الحاكم والدولة مع الفتاوى، وإلى أي مدى ينجح أو يفشل في تطويع الفتوى لخدمة أغراضه؟، وفي معرض إجابتنا عن هذا السؤال تأتي الفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية، في بداية شهر فبراير 2009م؛ حيث أصدرت فتوى بعدم جواز الانتماء للجماعات الإسلامية في حال انتهجت نهجًا سياسيًّا أو عسكريًّا، وأن الانضمام للجماعات الدينية يمثل خروجًا على مبدأ هام من مبادئ الدين الإسلامي، وهو الخروج على جماعة المؤمنين وأميرهم؛ الذي يمثله بالنسبة للمصريين الرئيس مبارك، كأعلى سلطة في الدولة.
وفوجئ المراقبون بصدور الفتوى موقعة من قِبل د. علي جمعة، مفتي الديار المصرية، وهو ما دفع بعض المحللين إلى القول بأن مسئولين بارزين في النظام المصري لجأوا لدار الإفتاء؛ من أجل الحصول على فتوى تجرم انضمام المواطنين لأي من الجماعات الإسلامية، الموجودة على الساحة، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين، معتبرين أن هذه الخطوة تكشف حجم انزعاج الحكومة من تنامي شعبية الإخوان في الشارع، باعتبارها القوة الدينية الوحيدة الموجودة؛ التي لها برنامج سياسي وممثلون في البرلمان.
وقد وجهت الفتوى إلى كافة الجماعات الدينية الموجودة على الساحة، وليس إلى جماعة واحدة؛ حيث اعتبرت أن هذه الجماعات تمثل خطرًا في حالة لجوئها للتعاطي مع الشأن السياسي، معتبرة أن وجود برامج سياسية للجماعات السلفية (رغم أنه لا توجد أية برامج أو طموحات سياسية للسلفيين في مصر)، يمثل بدعة لا أساس لها من الصحة في عرف الإسلام، طالما أنها لم تكن مقيدة بالمصالح العليا؛ التي يخطط لها ولي الأمر، أو من ينوب عنه.
لم تكن هذه الفتوى لتمر في هدوء، ولكنها أثارت الجدل في صفوف الإسلاميين، خاصة جماعة "الإخوان" التي رفضت الفتوى، واعتبر د. جمال حشمت، عضو مجلس الشعب السابق عن جماعة الإخوان المسليمن، أنها تكشف مدى الخوف من الجماعة والقوى السلفية النشطة، وأنها تلقي الضوء على حجم الذعر الذي يسيطر على أركان النظام، بمختلف طبقاته.
وانتقد حشمت، لجوء النظام للمؤسسات الدينية التابعة للدولة في محاولة تخويف المواطنين من الإخوان، معتبرًا أن ذلك الأسلوب لن يسفر عن الوقيعة بين الجماهير والجماعة، مهما كان حجم تلك الحرب الدعائية؛ التي تسعى الحكومة من ورائها للترويج للحزب الحاكم، باعتباره الجهة المفوضة من قِبل السماء لقيادة المصريين.
من جانبه، أوضح الدكتور ناجح إبراهيم، أن رؤية الجماعة الإسلامية هي أن مقدمات هذه الفتوى صحيحة، ولكن الاستنتاج منها خاطئ؛ بسبب تعميم الحكم على الجماعات الإسلامية، بأنها فضلت نفسها وقيادتها على غيرها، فمعظم الجماعات اليوم تنادي الحكام بأن يحكموا هم بالشريعة، ولا نريد أن نحكم نحن الإسلام، ولكن نريد أن نُحكم بالإسلام من أي أحد كان".
وأضاف: "لا يمكن إلغاء الحركة الإسلامية من الواقع بفتوى أو فرمان أو قرار؛ وذلك لأنها مكون رئيس من مكونات المجتمعات، في الدول العربية والإسلامية، ولكن يمكن وضع إطار قانوني لترشيد العلاقة بينها وبين الدولة، بحيث تتحول من علاقة صدام إلى علاقة تعاون وتفاهم، حول أرضية مشتركة، تجمعها ومصالح البلاد، وهذه لا يختلف عليها أحد من الإسلاميين أو الليبراليين أو الساسة المخلصين أو الدول نفسها".
يسعى النظام الحاكم في مصر، برأي د. عبد المنعم بري، عميد مركز الدراسات الإسلامية، رئيس جبهة علماء الأزهر، من خلال هذه الفتوى وغيرها، إلى إضفاء نوع من الشرعية على سياسته، فخرجت فتوى تحرم الخروج في المظاهرات، وأفتى شيخ الأزهر والمفتي بأن كل من يحجم عن المشاركة في استفتاء رئيس الجمهورية عام 2007م، آثم وكاتم للشهادة، كما أفتى الشيخ سيد طنطاوي في شائعة مرض الرئيس مبارك بجلد الصحفيين مروجي الشائعات.
وبجانب ما سبق فقد أفتى الشيخ "محمود لطفي عامر"، رئيس جمعية أنصار السنة بدمنهور في مصر، بإطلاق لقب "أمير المؤمنين" على الرئيس مبارك، ثم تبعها بفتوى تجيز توريث الحكم من الرئيس إلى نجله جمال، وأفتى الشيخ يوسف البدري بتحريم الخروج في الإضراب؛ وذلك لأن جماعة الإخوان، أيدت الدعوة لإضراب مايو 2008م، كما أفتى بتحريم دعوة الرئيس للاستقالة، أو قبوله التنحي عن منصبه.
هذه الفتاوى وغيرها من عشرات الفتاوى ـ برأي الشيخ السيد عسكر، الأمين العام الأسبق لمركز البحوث الإسلاميةـ تظهر قدرة النظام على تطويع الفتاوى في خدمة أهدافه، وضرب السياسات المعارضة له، من خلال المرجعية الدينية الإسلامية ذاتها؛ التي تستند عليها أغلب الجماعات الإسلامية الموجودة في مصر.
سلاح في يد الإسلاميين
بجانب الفتاوى السابقة هناك عشرات الأمثلة لفتاوى استخدمتها النظم الحاكمة في مصر؛ لتمرير سياساتها وقراراتها، وهو ما جعل الفتوى أيضًا تتحول - في كثير من الأحيان- إلى سلاح في يد الإسلاميين، كما هي سلاح في يد الدولة، وكان من نتيجة تفعيل الدولة لهذا السلاح لدعم السياسة الناصرية، أن ظهرت جماعات إسلامية متشددة، قامت باغتيال الرئيس المصري أنور السادات، في الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر عام 1981م؛ حيث صدرت فتوى تكفر الرئيس السادات؛ لأنه قام بعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، وعليه فقد أجاز تنظيم الجهاد حينها الخروج على الحاكم، ومن ثم قتله.
ولعله من المثير للدهشة في هذا الشأن أن حيثيات دفاع قتلة السادات قد استندوا ـ ليس فقط إلى آراء أمراء وفقهاء الجماعةـ ولكن إلى فتوى صدرت عن الأزهر الشريف عام 1970م، حيث تم بمقتضاها تكفير كل من يتعامل مع إسرائيل، باعتبارهم كفرة، والعدو الأول للمسلمين والإسلام، وبالتالي يُعتبر كل من يتعامل معهم كافرًا.
وقد اتخذ محامي قتلة السادات من هذه الفتوى ذريعة لإثبات أن السادات كان كافرًا، ووجب قتله، بل طالب بالبراءة للقتلة أثناء مرافعاته في القضية؛ التي عرفت في بداية الثمانينيات باسم "قضية الجهاد الكبرى"، والتي يُنظر إليها كأكبر محاكمة للإسلاميين، في تاريخ مصر الحديث.
الغريب في الأمر أن الفتوى لم يتم تعديلها، وما زالت موجودة في سجلات فتاوى الأزهر، إلى الآن، ومن المعروف أن هذه الفتوى سياسية أكثر منها دينية، وقد صدرت لإرضاء الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، خاصة بعد هزيمة 1967م، ولكن من غير المعروف حتى الآن السبب المباشر لصدورها عام 1970م، وليس قبل ذلك أو بعد ذلك، وعندما سافر الرئيس السادات إلى إسرائيل اختفت هذه الفتوى، بل أفتى الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي؛ الذي قال في أحد تصريحاته: إنه صلى ركعتي شكر لله بعد هزيمة مصر في 1967م، ولكنه أفتى للسادات ـ خاصة بعد المظاهرات والاعتراضات على اتفاقية كامب ديفيد- أنه لا يُسأل عما يفعل.
كان مقتل الرئيس السادات بداية لحرب طويلة الأمد بين الإسلاميين من ناحية والنظام المصري من ناحية أخرى، ويقول د. رفيق حبيب، الباحث القبطي في شئون الإسلام السياسي: إن هذه الحرب استندت على فتاوى للشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن، الأب الروحي للجماعة الإسلامية؛ الذي أجاز الخروج على الحاكم، وقتال الطائفة الممتنعة عن إقامة شرع الله والشرائع المختلفة.
وبالنسبة للجماعة الإسلامية فلم يتوقف الأمر إلا في مايو عام 1997م، حين أعلنت الجماعة الإسلامية مبادرتها لوقف العنف؛ لتبدأ الجماعة فيما بعدث حقبة جديدة من المراجعات الفقهية، من أبرز عناويناها التراجع عن الفتاوى السابقة بتكفير الحاكم والمجتمع، أو الفتاوى التي تستهدف السياح ومصالح الدولة، وتسعى الجماعة بعد الإفراجات الأخيرة عن أكثر من 12 ألف عضو من أعضائها، بجانب القيادات الفكرية للجماعة، إلى الاندماج في المجتمع، وطي الصفحة الدامية مع النظام.
ولعل من أهم ملامح الفترة الحالية هو أنه وبمراجعة الفتاوى التي تصدرها الجماعة مؤخرًا، نرى أن هناك تغيرًا كبيرًا في توجه الفتاوى، والاستتنتاجات التي تصل إليها، وأبرزها جواز الصلح مع إسرائيل؛ حيث نشر الدكتور ناجح إبراهيم دراسة بعنوان "كامب ديفيد في فكر داعية في شبابه وشيخوخته"، يؤكد فيا تراجعه عن الأفكار السابقة، وتأييده لمعاهدة كامب ديفيد، وللصلح مع اليهود، قياسًا على واقعة قيام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بصلح الحديبية.
جماعة الجهاد المصرية؛ التي انضمت إلى تنظيم القاعدة، إبان نشأته عام 1998م، خاضت صراعًا مريرًا مع الدولة المصرية، خلال الثمانينيات والتسعينيات؛ بسبب فتاوى التكفير للحاكم وجواز الخروج عليه، لكن نقط التحول في فكر الجماعة كانت صدور وثيقة "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" للدكتور سيد إمام، عام 2007م؛ التي يتراجع فيها عن كافة فتاواه وأرائه السابقة، وشن إمام هجمة شرسة ضد تنظيم القاعدة وقادته، وهو ما دفع د. أيمن الظواهري إلى الرد على إمام، في كتاب "التبرئة" يعلن فيها براءة القاعدة والجهاد مما قاله الشيخ إمام، على اعتبار أن هذه الآراء التي يصدرها من داخل سجنه، وأنه لا ولاية للأسير.
لكن إمام يرد عليه في كتاب "التعرية لكتاب التبرئة" يفند فيه أراء الظواهري، وينتقد الفتاوى التي أصدرها التنظيم، واستحلال دماء المدنيين الأبراياء بدعوى جواز قتل "الترس"، وغيرها من الفتاوى، ومثلت هذه المراجعات تحولا في الخط الفقهي والفكري لأكبر الجماعات الإسلامية الجهادية؛ التي ظهرت في مصر في القرن العشرين، حسبما يقول ضياء رشوان، الخبير المصري المتخصص في شئون الحركات الإسلامية.
نظرة سريعة على الفتاوى الدينية داخل جماعة الإخوان، سنجد أن الجماعة باعتبارها جماعة دعوية صاحبة مشروع دولة إسلامية؛ فإنها تنطلق في مواقفها وتوجهاتها من فتاوى دينية خاصة بالجماعة، وظهر ذلك بشكل واضح في البرنامج الحزبي؛ الذي طرحته الجماعة للنقاش العام الماضي، والذي أكدت فيه على عدم جواز انعقاد الولاية العامة للمرأة أو للقبطي، وأن الولاية العامة لا تجوز في دولة مسلمة إلا للمسلم الذكر، وعلى الرغم من حملة النقد الشرسة التي تعرضت لها الجماعة - جراء هذه الفتاوى- فقد أصرت الجماعة على مواقفها، على اعتبار أن هذا هو البرنامج الحزبي للجماعة؛ الذي لا تفرضه على بقية الأحزاب والجماعات، وهو الرأي الذي يروج له قادة الجماعة، في كافة المنتديات البحثية والفكرية. ويؤكد د. نبيل عبد الفتاح، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، على أن الإخوان كجماعة سياسية لا يجب أن توظف الفتاوى الدينية لخدمة أهدافها السياسية، خاصة أن الكثير من الفتوى المتشددة تهدف إلى جلب الأنصار، وتحقيق الشعبية، وظهر ذلك في موقف الجماعة من تحريم تصدير الغاز المصري لإسرائيل، ومواقفها الدينية من قضية توريث الحكم وغيرها، وإصرارها على رفع شعار الإسلام هو الحل، في حملاتها الانتخابية.
أما السلفيون في مصر فموقفهم من السياسية والفتاوى السياسية واضح، وهو رفض التورط في العمل السياسي لعدة أسباب، منها رفضهم للديمقراطية، ووضع أولوية للعمل الاجتماعي والدعوي على العمل السياسي، ويتجلى ذلك في تصريحات الشيخ ياسر برهامي، أحد أهم رموز الدعوة السلفية في مصر؛ الذي يؤكد فيها على ابتعاده عن كل ما يتعلق بالسياسة. ولكن على الرغم من هذا الموقف فإن السلفيون أنفسهم لم ينجوا من استهداف النظام لهم، خاصة بعد حرب غزة، وظهور فتاوى تحض على الجهاد، وأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وتنتقد موقف النظام من التخلي عن المقاومة الفلسطينية، كما أن جزءًا كبيرًا من التجمعات السلفية - الآخذة في التمدد في مصر في الآونة الأخيرة- يقف في خندق الإخوان أثناء الانتخابات، وهو ما دفع النظام مؤخرًا إلى إغلاق موقع "صوت السلف" و"أنا السلفي"، الواجهة الإعلامية للسلفيين في مصر، عبر الإنترنت.
نتيجة لما تثيره الفتاوى السياسية من خلافات ومعارك يسعى النظام المصري في الآونة الأخيرة إلى حسم هذا الخلاف من خلال دعوته إلى ما يسمى بتأميم الفتوى؛ حيث وافقت لجنة الاقتراحات بمجلس الشعب المصري، فبراير 2009م، على مشروع بقانون، يعاقب من يفتي دون أن يحمل ترخيصًا رسميًّا خاصًّا، وطالب البعض بضرورة قصر الإفتاء على الأزهريين فقط، معتبرين أنهم المؤهلون دون غيرهم لتلك العملية، بينما عارض آخرون القانون المقترح؛ ورأوا أنه مجرد وسيلة قمعية لتكميم الأفواه.
مشروع القانون الجديد تقدم به النائب عن الحزب الوطني مصطفي الجندي، وتضمن حبس من يفتي في الشئون الدينية عبر وسائل الإعلام، بدون رخصة رسمية، من سنة إلى ثلاث سنوات.
وكان الجندي قد ذكر دوافعه للتقدم بمشروع ذلك القانون في تصريحات صحفية، فقال: إن تحريض حسن نصر الله للمصريين، أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، ضد قيادتهم السياسية وحكومتهم هو ما دفعني إلى التقدم بهذا المقترح؛ بهدف مقاومة مد الفتاوى الشيعي"، واعتبر أن "حزب الله حاول خلال حرب إسرائيل على غزة تحت ستار فتاوى الجهاد، أن يشعل الثورة في مصر، بدعوى مساندة حماس في حربها ضد إسرائيل".
وفيما وافق د. علي جمعة مفتي مصر على الفتوى إلا أن الشيخ سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، رفض القانون، كما رفضته جماعة الإخوان، عبر الشيخ "السيّد عسكر"، عضو مجلس الشعب، الأمين العام المساعد الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية؛ الذي أكد على استقلالية الفتوى، وخطورة تأميمها على إمكانية تجديد الفكر الإسلامي، مؤكدًا أن الحرية في الفتوى والاجتهاد هي حق من حقوق أي عالم مسلم، ولا يمكن انتزاعه عبر تشريع معين.
ففي حيثيات دفاع قتلة السادات تبين أنهم استندوا إلى فتوى صدرت عن الأزهر الشريف أيضًا، ولكن عام 1970م، بمقتضاها يتم تكفير كل من يتعامل مع إسرائيل، باعتبارها العدو الأول للمسلمين والإسلام، وبالتالي يعتبر كل من يتعامل معهم كافرًا، للتدليل على أن ما فعله قتلة السادات جاء بفتوى دينية، برغم أن هذه الفتوى صدرت أيضًا لإرضاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، خاصة بعد هزيمة 1967م، ولم يتم تعديلها بعد ذلك، وظلت موجودة في سجلات فتاوى الأزهر!.
والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة وهامة جدًّا، بين السلطة وبين العلماء أو المفتين، كانت تستخدم في أوقات عز الإسلام لصالح المسلمين؛ حيث كان هؤلاء العلماء والمفتون يقفون بالمرصاد للحاكم، ويردعونه عن المنكر أو التودد للاعداء، ولكن تدهور أحوال السلطان في العالم الإسلامي تدريجيًّا، وتدهور أحوال العلماء؛ بسبب تقريب السلطان لمن يوافقون هواه، جعل هذه العلاقة من الخطورة بمكان في زماننا الحالي.
بعبارة أخرى، فإن "الدور السياسي لعلماء الأمة" و"الدور السياسي للإفتاء" في عالمنا العربي، بات أمرًا في غاية الخطورة، وهناك علاقة وثيقة بين الفتوى والحياة السياسية، من زاوية كيفية قيادة الفقيه أو الإمام الأمة إلى التقدم للأمام والرقي، أو قيادتها إلى التخلف والركون واللهو عن قضاياها الحقيقية، أو الصمت على الظلم، على طريقة (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59) في فيلم "الزوجة الثانية" المصري!؟
شتان مثلا بين بيان لـ 26 عالمًا من علماء السعودية، يوم 5 نوفمبر 2004م، يدعو لنصرة المقاومة في العراق، رغم حملة الترهيب الضخمة من جانب الأمريكان، ورفع تهمة الإرهاب على رقابهم، وبيان أخر لـ "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" - الذي تأسس في يوليه الماضي (2004)م- في 19 نوفمبر 2004م، يقول: إن مقاومة الاحتلال في العراق "واجب شرعي على كل مستطيع، داخل العراق وخارجه"، وبين فتوى الدكتور سيد طنطاوي (شيخ الجامع الأزهر)، بشأن الحجاب في فرنسا؛ التي نصر فيها حكومة فرنسا على حجاب مسلميها؛ بحجة أنه ليس من حق أي عالم مسلم أن يفتي في أمور دولة أخرى، وفتوى د. علي جمعة، مفتي مصر، بشان "الذباب.. أصله وصفاته"، بدلا من الحديث عن نصرة المقاومة في العراق مثلا، في نفس التوقيت الذي هدم فيه الأمريكان المنازل علي رؤوس مسلمي الفلوجة!. الدور السياسي المفترض لرجل الدين يبرز هنا في نصرة قضايا الأمة، باعتبار أنه لا فصل بين الدين والدولة في الإسلام، فلا يمكن الفصل بين الإفتاء أو مواقف وآراء العلماء وبين الواقع؛ الذي قد يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، بل إن أحد أهداف الحملة الأمريكية على العالم الإسلامي، بعد تفجيرات 11 سبتمبر، هي أن تحول الدين إلى مجرد حديث عن الطهارة وكيفية دخول دورات المياه، دون الحديث عن دور العالم المسلم التاريخي في تغيير الباطل، وقيادة الأمة إلى النهضة.
وقد سعى شيخ الأزهر د. طنطاوي مؤخرًا (ترتيب شيخ الأزهر في مراسم بروتوكول الدولة المصرية في منزلة نائب رئيس الوزراء)، عبر فكرة قصر الإفتاء على الداخل المصري، للخروج من هذه الدائرة، بعدما تسببت الكثير من فتاوى لجنة الإفتاء بالأزهر ومجمع البحوث الإسلامية في مشاكل للشيخ طنطاوي نفسه، مع الحكومة المصرية؛ التي اتهمتها دول خارجية - مثل أمريكا- بتحريض الأزهر ضدها؛ كونه مؤسسة رسمية، تابعة للسلطة السياسية.
ولكن لأن هناك علاقة تاريخية وعضوية قوية بين الإفتاء والسياسية أو الأزهر والسياسة، فلم يفلح الشيخ نفسه في التخلص منها، واضطر إلى التدخل في قضية حجاب مسلمات فرنسا، والإدلاء برأي أغضب علماء الأزهر، رغم أنه سبق أن أكد قبلها بأيام قليلة أن الإفتاء قاصر على الداخل، وأنه لا يجوز لعلماء الأزهر الإفتاء في الشأن العراقي!.
ففي شهر فبراير 2003م، وقبل احتلال القوات الأمريكية للعراق، صرح الشيخ علي أبو الحسن (رئيس لجنة الفتوى بالأزهر حينئذ) بفتوى، يؤكد فيها "وجوب قتال القوات الأمريكية إذا دخلت العراق، وأن دماء الجنود الأمريكيين والبريطانيين تُعد في هذه الحالة حلالا، كما أن قتلى المسلمين يعدون شهداء، وقد أشيع وقتها أن أمريكا احتجت على هذه الفتاوى؛ لأنها تحرض ضدها، فتمت إقالة الشيخ أبو الحسن، وتعيين غيره.
والحقيقة أن شيخ الأزهر، الدكتور محمد سيد طنطاوي، سبق أن أصدر عدة تصريحات، تدور حول رفض هذا الغزو والعدوان الأمريكي، واعتبر أن مقاومة العدوان واجبًا شرعيًا، ولكن إقالته لرئيس لجنة الفتوى - عقب تصريحاته ضد الحرب- أثارت السؤال عن حقيقة الأمر، وهل هو مجرد إجراء إداري، لا علاقة له بتصريحات الشيخ أبو الحسن عن الحرب، أم إن هناك أسبابًا سياسية وراء الإقالة.
وظهر هذا التناطح بين السياسي والشرعي مرة أخرى، في العاشر من مارس 2003م، عندما أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بيانًا، يحض فيه جميع المسلمين على الجهاد ضد القوات الأمريكية الغازية، إذا بدأت في حربها ضد العراق، ويعُد هذه الحرب (صليبية)، ومع أن شيخ الأزهر لم يوقع على البيان رسميًا، كما أن المجمع هو المنوط به الإفتاء في المسائل السياسية، فقد توالت الضغوط من السفارة الأمريكية، ومن كنائس غربية، بشكل دفع شيخ الأزهر للتراجع جزئيًا عن البيان، ورفض وصف حرب العراق بأنها (حرب صليبية)، ثم تكشف أن الإدارة الأمريكية هي التي احتجت على وصف بيان مجمع البحوث الإسلامية حربها الحالية على العراق بأنها صليبية، وأنها تدخلت بقوة لوقف ما اعتبرته (تحريضًا دينيًّا) ضدها؟!
فقد تردد، أن البيان أثار انتقادات واسعة في الخارجية الأمريكية حينئذ، قامت على إثرها بإعداد تقرير عاجل إلى البيت الأبيض، وصفت فيه الأزهر بأنه أحد أعلى المؤسسات الدينية في العالم العربي ،وأن آراء الأزهر الدينية تكون محل احترام وتقدير، ليس من المسلمين العرب فحسب، ولكن من كل مسلمي العالم، وأن الأزهر - بصفته مؤسسة دينية مصرية- كان من المفترض ألا يشجع على "الإرهاب" ضد القوات الأمريكية، ودعا التقرير الذي أعده ريتشارد سكوتي، وهو أحد مستشاري الخارجية الأمريكية، الإدارة الأمريكية بأن تتدخل بحسم، لدى الحكومة المصرية؛ حتى يصدر الأزهر بيانًا آخر، يعتذر فيه عن مثل هذا البيان الإرهابي "وإلا فإن الأزهر يجب أن يكون على قائمة المؤسسات الإرهابية التي تجب محاربتها"!؟.
أيضًا في نهاية أغسطس 2003م، صدر قرار للشيخ سيد طنطاوي (شيخ الأزهر) بإيقاف الشيخ نبوي محمد العش (رئيس لجنة الفتوى حينئذ)، عن الإفتاء، وإحالته للتحقيق؛ لأنه أفتى بعدم شرعية مجلس الحكم الانتقالي العراقي، وحرم التعامل معه، وأكد شيخ الأزهر أن الفتوى التي صدرت (ممهورة بشعار خاتم الجمهورية المصري وشعار الأزهر) لا تعبر عن الأزهر؛ الذي لا يتدخل في السياسة وسياسات الدول (كما قال)!.
وجاءت هذه الضجة عقب لقاء تم بين السفير الأمريكي بالقاهرة وشيخ الأزهر قيل: إنه تطرق للفتوى الصادرة، وقيل: إن شيخ الأزهر اضطر - تحت الاحتجاج الأمريكي- للتراجع وإعلان إن الفتوى التي صدرت لا تمثل الأزهر.
وقد قال الشيخ العش وقتها - لمجلة المصور المصرية 5 سبتمبر 2003م: إنه لو علم أن هذا السؤال (الفتوى التي وجهت له) سيحدث كل هذه الضجة ما أجاب عليها إطلاقًا (!)، وقال: إن (التعليمات) بعدم التعرض للأمور السياسية (في لجنة الفتوى) كانت بشأن المستقبل، وأن (كلام شيخ الأزهر ماشي على رقبتي)!؟
كما أكد الشيخ أبو الوفا أبو عجور (وكيل الأزهر)، أنه صرخ فيه (أي الشيخ العش) عقب فتواه، وقال له: (مالك أنت ومال العراق..لازم تاخد بالك من حدودك في الفتوى)!؟.
والمشكلة كانت هي قول الشيخ طنطاوي: إنه ليس من حق لجنة الفتوى الإفتاء بأمور سياسية، أو بشئون دول أخرى، خصوصًا أن هذا الدور لا يعود إلي أزمة العراق أو فلسطين، ولكن يعود إلى تاريخ نشأة الأزهر نفسه، قبل أكثر من ألف عام، ودوره السياسي المتعارف عليه، ودوره في طرد الاحتلال الفرنسي والإنجليزي لمصر، حيث حرص كل قائد مصري على اللجوء للأزهر، يستمد منه القوة الشرعية للتحرك الشعبي، وهو ما فعله الرئيس عبد الناصر عندما اعتلى منبر الأزهر، إبان عدوان 1956م،الثلاثي على مصر؛ ليحض المصريين على الجهاد.
يجب أن يكون هناك بالتالي دور سياسي لعلماء الأمة، في كل ما يخص الأمة، من شئون سياسية أو دينية أو اقتصادية أو اجتماعية؛ لأنه لا فصل بين الدين والدولة في الإسلام، ويجب أن يصدع علماء وقادة الأمة الدينيون بآرائهم في احتلال أرض المسلمين، في العراق وأفغانستان وفلسطين، فهذا هو دورهم الطبيعي؛ الذي لا خلاف عليه لكل من يفهم حقيقة الإسلام!.
وهناك فتاوى كثيرة تصدر عن مؤسسة دينية كأداة سياسية في أيدي النظم والحكومات.. من ذلك مثلا فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية بعدم جواز الانتماء إلى الجماعات الإسلامية، لو انتهجت نهجًا سياسيًّا وعسكريًّا، أو سياسيًّا قابلا للتطويرالعسكري، وتعتبر أن الانضمام للجماعات ذات الطابع الديني يمثل خروجًا على مبدأ هام من مبادئ الدين الإسلامي، يتمثل في الخروج على جماعة المؤمنين وأميرهم؛ الذي يمثله بالنسبة للمصريين الرئيس حسني مبارك.
والحقيقة أن هذه الفتوى الموقعة بأسماء كبار العلماء، وفي طليعتهم الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، اعتبرتها صحف مصرية مستقلة "أداة سياسية" للجم جماعة الإخوان المسلمين، وقالت: إن مسئولين بارزين في النظام المصري لجأوا لدار الإفتاء؛ من أجل الحصول على فتوى تجرم انضمام المواطنين لأي من الجماعات الدينية الموجودة في الساحة، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين، وقالوا: إن هذه الخطوة تكشف حجم انزعاج الحكومة المصرية من تزايد شعبية الإخوان.
الأكثر لفتًا للأنظار أن فتاوى دار الإفتاء قالت: إنه بسقوط الخلافة الإسلامية، لم يعُد للمسلمين إمام، وإن المسلم عليه "اتباع الشرع في أموره، مع احترام النظام العام للدولة التي يعيش فيها، والحفاظ على الرابطة الإيمانية بالأمة، عبر الاحتكام للشرع على المستوى الفردي والاجتماعي، حتى إن عاش في ظل نظام قانوني له مرجعية وضعية".
وقد أدى هذا التوظيف السياسي للدين من قِبل الحكومات لرد موالين لهذه الجماعات الإسلامية والدينية على الحكومات، بطرح تساؤلات على دور الإفتاء، تسأل: ما رأي الدين فيمن قتل المصرين والمسلمين في العبارة (سفينة يملكها رجل أعمال هارب، مقرب من مسئول حكومي)؟، وما رأي الدين فيمن سرطن الزراعة المصرية؟، وفيمن صدر الغاز لإسرائيل؟، وفيمن صدر أغذية للجيش الإسرائيلي خلال العدوان على غزة؟، وما هو رأي الدين فيمن منع الطعام والدواء عن المسلمين فى فلسطين؟، وفيمن احتكر الحديد؟، وفيمن سرق قوت الشعب، وأغرق البلد في الفساد؟.
وهذه الفتوى السياسية غالبًا ما تصدر عن مؤسسات الفتوى الرسمية في العالم العربي والإسلامي، أو المؤسسات الدينية عمومًا، مثل فتوى شيخ الأزهر الشهيرة، بأن مقاطعة الاستفتاء (على تعديلات دستورية لصالح الحزب الحاكم) في مصر كتمان شهادة، ودعوته لجلد الصحفيين، في سياق الحديث عن مروجي الشائعات عن مرض الرئيس المصري.
ولا يعني هذا أن علماء الأمة في مصر وغيرها من دول العالم، خصوصًا علماء المؤسسات الدينية الكبرى، مثل: الأزهر أو أم القرى وغيرها مقصرون أو هم مع العدوان والغزو، ولكن القضية أن الإعلام الحكومي في البلدان العربية – وبالطبع الإعلام الأمريكي والغربي - يتجاهلهم ولا يستمع لآرائهم، وبعضهم يؤثرون السلامة طالما لم يسألهم أحد الرأي ويبقى الأمر في أيدي رموز الإفتاء كمفتي الدولة أو شيخها الأكبر الذي غالبا ما يراعي خاطر حكومته ويصدر فتاوى موالية لها!
وهنا يأتي دور الإعلام الجاد الحقيقي المناصر لقضايا الأمة، في إبراز رأي هؤلاء العلماء، وإخراجه من تحت الركام، فعندما سأل صحفيون علماء الأزهر عن غزو العراق، وإقدام قوات الاحتلال الأمريكي على ضرب المساجد، وقتل الجرحى والمدنيين العزل بمساجد العراق، خاصة ما حدث في الفلوجة، تحدثوا وقالوا: إن هذه جريمة شنعاء، تفوق حدود "الإرهاب"، وتوجب على الأمة الإسلامية - بلا استثناء- التحرك بكل ما أوتيت من قوة؛ لإنهاء احتلال بلاد الرافدين، وقال أحدهم - الشيخ محمد الراوي (عضو مجمع البحوث الإسلامية)-: "لقد سئمنا من الكلام والاستنكار؛ إن عدم ولاية المؤمنين بعضهم لبعض هو سبب كل ما يحدث الآن، على أرض العراق، والذي فاق كل حد؛ فمن أذن لهؤلاء الأمريكان أن يدخلوا المساجد العراقية؛ التي هي دور عبادة، يحرم انتهاكها والاعتداء على روادها، ويجب الدفاع عنها؟. والمشكلة - كما يقول المستشار طارق البشري (نائب رئيس مجلس الدولة المصري): "إنه لا يمكن الفصل بين الإفتاء والواقع الذي قد يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا"، فعندما تحدث شيخ الأزهر مع وزير الداخلية الفرنسي إبان أزمة الحجاب في فرنسا، لم يقل له فتوى، ولكنه "اتخذ موقفًا سياسيًا فقط "، وقال: إنه يحق لفرنسا فرض ما تشاء من نظم قانونية!، وأيضًا عندما تحدث أحد مشايخ الأزهر منددًا بأمريكا واحتلال العراق، وداعيًا للجهاد ضد الاحتلال، وتعرض لتوبيخ من شيخ الأزهر، رد مبرر شيخ الأزهر أن علماء العراق هم أدرى بشعابها، وهم من يفتي في حالة الاحتلال لا علماء مصر!!. وربما لهذا يشدد الدكتور محمد سليم العوا (المفكر الإسلامي) على مسألة عدم الفصل بين ما هو شأن إسلامي "داخلي" وشأن "خارجي" - وفق تبرير شيخ الأزهر لعدم الفتوى في أمور غزو واحتلال العراق- بالنظر لـ "عالمية الإسلام"، قائلا: "إنه لا يجوز لأي شخص ممن ينتسبون إلى دين الإسلام القول: إن منع المسلمة من ارتداء الحجاب في فرنسا شأن لا يعني أحدًا سوى الحكومة الفرنسية"، ويؤكد أن " القضية المطروحة للمناقشة مسألة فقهية واضحة، لا تحتمل اختلافًا في الاجتهاد، فلا يجوز لمن حمله علمه ورضا إخوانه عنه أن يصنع مثلما فعلوا في مؤتمر وزير الداخلية الفرنسي.. وبالطبع مثلما يفعل بعض العلماء بصمتهم على قضية احتلال العراق، وهدم وتفجير مساجده، وقتل المسلمين!.
القضية بالتالي أنه ليس هناك فصل بين الداخل والخارج، فيما يخص شئون الإسلام والإفتاء، حتى لو كان الأمر المطلوب الإفتاء فيه شأنًا سياسيًا؛ لأن الإسلام دين ودولة، ولا يعرف الفصل بين الإفتاء والواقع، سواء كان اجتماعيًا أم سياسيًا أم اقتصاديًا. وقد ألمح لأهمية هذه العلاقة (بين الأزهر والسياسة)، وصعوبة الفصل بين الإفتاء والسياسة عمومًا،د. مصطفي الفقي (رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري)، في مقال كتبه خصيصًا يوم 7 أكتوبر 2003م، إبان أزمة فتوى الأزهر، بشأن عدم شرعية "مجلس الحكم العراقي"، وبعدما فوجئ بمقولة شيخ الأزهر، عن قصر الإفتاء على الشأن المصري الداخلي. حيث شدد د. الفقي، على أنه لا يتفهم ما جاء في سياق تبرير التراجع عن فتوى تحريم الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، من أن ذلك شأن عراقي لا علاقة لغيره به؛ لأن هذا يخالف "روح الإسلام الأممي"؛ الذي يرى الأمة من منظور متكامل، ولا يفرق بين شعوبها، وفقًا للجنسيات أو الحكومات أو حتى الأوطان، فما يجري في العراق شأن دولي عام، ومشكلة إقليمية حادة، وهم إسلامي يحمله الأزهر، مثلما يحمله المسلمون في كل مكان ".
والحقيقة أن أزمة احتلال العراق، ومن قبلها أفغانستان، وأزمة الحجاب في فرنسا وغيرها.. كلها مؤشرات هامة على أهمية الدور السياسي للإفتاء، في إقرار سياسات داخلية وخارجية، بدليل سعي فرنسا لإيفاد وزير داخليتها لاستطلاع رأي الأزهر، قبل إصدار قانون تقنين الحجاب في المدارس الفرنسية، وسعي واشنطن لتكميم أفواه المؤسسات الإسلامية، عن نقد الدور الذي تلعبه في العراق، والتدخل لقمع مؤسسات دينية في العالم العربي، عن إبداء الرأي فيما يخص الاحتلال في العراق.
بل إن تواتر الوفود السياسية على شيخ الأزهر في مصر، واستفتاء غالبية الوزراء الأوروبيين والأمريكيين له في أمور كثيرة، بشأن الأقليات الدينية والإسلام، هو من قبيل تفهم هذه الدول لدور المؤسسة الدينية الإسلامية، وفتاواها المؤثرة، بعكس الحال في المسيحية، وحتى زيارة الرئيس الأمريكي، أوباما، لمصر لمخاطبة العالم الإسلامي منها، لم تكن ستتم بسبب معارضة المحافظين الجدد لمصر، وتحفظهم على سجلها في مجال حقوق الانسان، ولكن ما حسم الأمر هو أن أوباما بحاجة لرمز ديني كالأزهر - منبرًا أو جامعة- كي يتحدث منه؛ لتصل رسالته سريعًا للمسلمين منه. والحقيقة أنه يساعد على الربط بين الإفتاء والسياسة في مصر وغيرها صدور عدة مواقف من عدد من شيوخ الأزهر السابقين ومفتين تواكب سياسة.
بل لقد أصبحت قيمة الفتوى نفسها بسبب هذا السيل من الفتاوى وهيافتها، أو ضعفها، أو غرابتها، تختلف تمامًا في زماننا عن قيمتها في الماضي، حتى أصبحت نكتة أن يقول الناس لبعضهم البعض: "هل سمعت آخر فتاوى" بدلا من "آخر نكتة"؟.
والسبب الأساسي وراء هذا هو امتهان الحاكم أو الحكومات للإفتاء، وتحويله لفرع من فروع السلطة، يُصدر الفتاوى بحسب الطلب، أو لا يفتي إطلاقًا إلا في الأمور التافهة، طالما أن الأمور الجدية – السياسية والحياتية– ستغضب السلطان أو الحاكم، ما أدى لهوجة فتاوى في أمور غير معتادة والبعد عما يمس عصب الإسلام وحياة المسلمين. ومع مرور الوقت والانجراف نحو فتاوى مسلية أو مضحكة عبر الفضائيات، وما نتج عنها من تضارب، اضطُرت دار الإفتاء المصرية لمطالبة البرلمان المصري بعدم تمكين غير المؤهلين للإفتاء من القيام بواجب الإفتاء للموطنين، وحذرت من عواقب هذه الفتاوى غير المؤهل أصحابها، خصوصًا على الفضائيات، وطُرح على البرلمان المصري قانون لمناقشته لمعاقبة من يقوم بالإفتاء بدون ترخيص رسمي بالحبس، وثار حديث جدي عما سُمي (فوضي الفتاوى). ولذلك أيضًا، دعا الدكتور أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر، إلى إنشاء قناة فضائية تلفزيونية مخصصة للفتاوى؛ في محاولة لإنهاء "فوضى الفتاوى"، بحيث يُعهد بها إلى العلماء الحقيقيين، الذين لا يبغون الشهرة والمال، ليكونوا أمناء على علم إصدار الفتاوى وطرح القضايا الإسلامية للتصدي لفوضى الفتاوى، خصوصًا في الفضائيات، التي تسيء إلى الإسلام، وتحدث بلبلة في المجتمع، ولكن لم يتنبه أحد لأن هذه ليست هي المشكلة، ولكن المشكلة هي أن تدهور حال الفتوى سببه إفساد السلطة لها، وتطويعها لصالحها؛ ما أفقدها مصداقيتها، أو حولها لمجرد إفتاء في قضايا تافهة فرعية، تثير الضحك، مثل إرضاع الكبير وغيرها!.






