الوقاية التربوية من الإجمال إلى التفصيل
التربية – عمومًا- عملية بناء الفرد والمجتمع وفق صيغة قائمة على مفاهيم عقائدية وأخلاقية محددة؛ فإذا كانت التربية إسلامية كان ارتكاز هذه الصيغة على مفاهيم الإســلام، العقـائدية والفكــرية والمسلكية.
والـعملية التربوية في الإسلام تستهــدف بناء الشخصية، بناء الفرد والمجتمع وفق هذه المفاهيم تمامًا، ومن غير مداخلات أخرى؛ فإذا تحقق ذلك كان بناء الشخصية الإسلامية بناءً متكاملا ومتوازنًا ووقائيًّا، الشخصية التي تمتلك مناعة ذاتية تحفظها من السقوط في المتاهات والانحرافات، والوقوع في فخ الأهواء والنزوات.
إن ملاحظة أن تكون العملية التربوية وقائية من شأنها خفض نسبة المشكلات والآفات، في حياة الفرد والجماعة، إلى الحدود الدنيا، كما سبق وأشرنا، وبالتالي خفض نسبة الطاقات والأوقات التي تهدر، وعلى كل المستويات، إلى الحدود الدنيا كذلك.
إن الساحة الإسلامية عموما لا تزال تعاني من إخفاق مناهج التربية، ومن بروز وتنامي ظواهر مرضية كثيرة، والاعتبارات في هذا الشأن كثيرة، منها:
-1إن العملية التربوية تتم وسط بيئة منحرفة، لا تساعد على إنجاح العملية، وإنما تتسبب بإجهاضها وإفشالها.
-2إن هذه البيئة - بما تمتلكه من إمكانيات التأثير المختلفة التعليمية والإعلامية وغيرها- تجاوز أثرها الشريحة المراد تربيتها، إلى النهج التربوي نفسه، وإلى آلية التربية نفسها.
-3إن عملية التربية لا تزال تراكمية الأسلوب، لا تقـوم على نظرية متكاملة الحلقـات والمفردات، متناسقة الأدوار والخطوات؛ فهي تقليدية المنحى، شأنها شأن البرامج التعليمية (المدرسية أو الجامعية)، مما يفقدها القدرة على تحويل هذه المفاهيم إلى واقع معاش، وإلى ممارسات سليمة، وإلى مواقف ومبادرات ذاتية صحيحة، في شتى المجالات.
إن بروز كثير من الآفات المرضية في بنيتنا التربوية والحركية، ومن خلال الممارسات والتجارب المختلفة، كسقوط الأعضـاء، وخسارتهم، والنزعات الفردية القاتلة، والظواهر العنيفة والتطرفية المدمرة، والنزعات النفــعية، والمصـلحية المؤذية، وإفرازات الخطوات والمشاريع غير المدروسة، والانشقاقات في البنى التحتية والفوقية، والعصبيات المحلية والإقليمية، وعدم تفعيل الدور المؤسسي، وضعف التأثير في المحيط، والفشل في بناء البيت المسلم، وتراجعية القدوة الحسنة، يؤكد وجود خلل ما في النهج التربوي
بصراحة، أقول: إن عملية التربية حتى تكون فاعلة وجذرية ووقائية يجب أن تعتمد أسلوب (التخلية ثم الترقية)، أي: قاعدة (التضعيف ثم التوثيق)، وبعبارة أوضح: قاعدة تدمير القديم وبناء الجديد، أي: إزالة رواسب الماضي، وإعادة بناء الشخصية وفق الأسس والأوليات الشرعية.
إن العملية التربوية يجب أن تبدأ بعد كشـف الحالة التي عليها الفرد؛ لمعرفة: أفكاره، وكيف يفكر، تصرفاته، وكيف يتصرف، علاقاته ومن يعاشر، مشاكله، ومسبباتها، ميوله، وغرائزه، ومدى تحكمه فيها، نقاط القوة والضعف عنده، مكامن الخير والشر فيه، بعد ذلك يمكن تحديد المنهج موضوعًا وكيفية.. وكل عملية تربوية تتم خلاف ذلك لا تحقق إلا تراكمات جديدة، في شخصية الفرد، قد تصيب حينا، ولكنها تكون فاشلة في غالب الأحيان؛ لأن الجديد بُنيَ على اعوجاج القديم.
تتقدم أسرة تحرير مجلة الأمة بأحر التعازي للأمة الإسلامية في فقدان رمز من رموز الدعوة الإسلامية
الدكتور الداعية فتحي يكن
نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يدخله فسيح جناته ونسأله سبحانه أن يلهم ذويه ومحبيه من بعده الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون






