صُور من استعلاء النفوس
فقد أكون مَرةً رَوّادا
أطَّلع النِجاد فالنجادا
فهو رائد لقومه مبالغ في الريادة ، يتقدمهم إلى كل أرض هي نجد مرتفعة، ليكتشف المراعي ويدلهم عليها ، أي هو بعيد عن الأنانية والكسل بما عنده من مثابرة وتضحية ، ونفسُه نفس جماعية .
• ومن أحوال النفس في العلو ما يكون عند المحبين من حب دفين وهوى مكتوم ، لا تكاد تشعر به ، ولكن عند الرحيل والفراق والوداع يظهر في صورةِ :
دمعةٍ كاللؤلؤ الرطبِ على الخدّ الأسيلْ
وجُفونٍ تنفُثُ السِحرَ من الطرف الكحيلْ
إنما يفتضحُ العاشقُ في يوم الرحيلْ
وهذا من صدق النفس ونوايا الوفاء واستيلاء مفهوم العيش الجماعي ، بحيث تتصفى العواطف وتركن إلى التجرد ، وما من مُنكر في هذه الدمعات ، لأنها استجابة للفطرة الأصيلة ، فأين السوء إذا اختارت العفيفة الأصالة ؟
• والمجامِل : الذي يقدر على جوابك فيتركه إبقاءً على مودتك ، وهذا من سمو النفس ونـُبلها .
والمُجاملة : المعاملة بالجميل ، وقال أبو ذؤيب :
جَمَالَك أيها القلبُ القريحُ
ستَلقى مَن تُحِبّ فتستريحُ
يريد : إلزم تجملك وحياءك ولا تجزع ، فإنما أحببتَ بحكم الفطرة ، ومَن خلق الفطرة واختارها لك : يُتمّم لك أمرك ما دمتَ لم تفسق ولزمتَ العفاف .
• والتقوى تـُعلّم النفوس القوية تأويل مصائب الدنيا أنها أجرٌ أو نحتٌ من الذنوب يجعل حساب يوم الدين أيسر ، وهذا الدهر الذي ينال منا : ظاهرُ أمره أنّ أذيته بلا ثمن ولا تعويض ، وذلك قول الأفوه الأودي:
حَكمَ الدهرُ علينا أنه
طَلَفٌ ما نال منها وجُبار
والطَلَف : ذهاب السلعة بغير ثمن ، والجُبار مشهورة في مباحث الفقه في : جناية العجماء جُبار ، لكن الشاعر متوهِم ، فإن ذلك في الدنيا ، وأما مَن صَبر لنوائب الدهر فمأجور في الآخرة ، فضلاً من الله ونعمة .
• بل عِزّة النفس خُلُق بعض الحيوان النجيب أيضاً ، لا أحرار الناس فقط ، وإليها يشير الشاعر حين يقول :
كمِثل أَتانِ الوحشِ ، أمّا فؤادُها
فصعبٌ ، وأمّا ظهرها : فرَكُوبُ
( يقول : هي رَيّضةٌ ذليلةٌ ، ولعِزّة نفسها : يحسبها الناظر لم تُرَض ).
• العِصاميةُ ... عِصمةٌ وحِفظ لحيوية القلب .. !!
• وعَرَفَ الإنسانُ المعاناة ، وشظف العيش ، وما تتطلبه الحياة من الإنفاق الكثير على العيال والقرابة والضيف وإطعامهم وكسوتهم وتطبيبهم وتوفير المأوى لهم ، وفي الحياة المعاصرة ما يلحق ذلك من تعليمهم وتوفير بعض ما هو في عداد الترف لهم ، واكتشف أن لله حكمة في توزيع الأرزاق ، وأنه قد يمنع الزيادة عن بعض عباده ويجعل رزقهم كفافاً ، يديم حياتهم ، ولا يذيقهم الطيبات .
هنا ، ومع إلحاح الحال ، وتمنيات العيال والأزواج ، وحسرة فوات الأوفى الأكمل الذي تحدثهم به الأحلام : يكون امتحان النفس العظيم : أتجنح إلى لين فتطلب من غني قريب أو صديق ، أم تصبر وتلوذ بالعفاف، وتستمسك بطريقة عصام التي سوّدت عصاما ، وعلّمته الجد والإقداما ؟
وفي مثل هذه الحال اكتشف الإنسان لذة الإباء والأنفة ، وبهجة عزة النفس التي تترفع وتربي الذين يتبعونها من عيال على الصبر مترفعين .
وسمى الأدباء والمؤرِخون والواصفون هذه الحالة :
" غِنى النفس " ، وأجمعوا على أنها عند أحرار النفوس هي أرفع حالة وألذ شعور ، وأما من رجحت في نفسه عوامل الفجور على التقوى ، فإنها تكون حالة تفكير بانتقام من المجتمع وعدوان على الأغنياء ، فيعيش دهره في نوع توتّر وعبوس وأسف .
وقد سجل الشاعر القديم قيس بن الحَطِيم هذا الاكتشاف النفسي الخالد ، فقال :
غَنِيُّ النفسِ ، ما استغنتْ : غَنِيٌ
وفقر النفس ، ما عَمِرَتْ : شقاءُ
•وصار في مفهوم العقلاء وأهل الإيمان أن من منازل حَرَج النفس : سؤال الناسَ شيئاً من مالٍ أو من حاجات الدنيا .
قال ابن حبان : ( الهمُّ بالسؤال نصف الهَرَم ، فكيف المباشرة بالسؤال ؟ ومَن عَزّت عليه نفسُه : صغُرت الدنيا في عينيه ).
وأورد قول الشاعر :
لا تحسبنّ الموتَ مَوت البِلى
فإنما الموتُ سؤالُ الرجال
• ووعظنا الحكماء أن نلجأ في الأيام العصيبة إلى الله تعالى ، ثم إلى ما نملك من قُدرة ذاتية ومعنوية استعلائية ، فإنما تخدمنا :
جَلادةُ نفسٍ بَين جَنْبَيْ مُجَرِّبٍ
تهابُ قتادَ المَنِّ منه الأصابِعُ
وهذا من تقريرات ابن أحمد دام الشنقيطي.
فنفسُه الجَلدة التي تغذيها التجارب تمنع أصابعَهُ أن تكون السفلى ، فتأخذ من يدٍ عليا تمنّ ، بل تصبر وتتوكل ، وتؤمن أنها ليست مِنَن الناس تحرك الحياة حركة قوية ، بل هي ضعيفة .. ولكنْ غَنى النفسِ أمضى عزيمةً من العَضبِ جلاّه الكَمِيُّ المصارعُ
فامتلاء النفس أنفذ من رمحٍ بيد محارب شجاع ، وعنها تكون تحريكات الحياة .
•والتزاماً بهذا النمط الرفيع من السلوك النفسي : أدرك أهل الرفق من القادة والزعماء حصول حالات حرج حقيقي ، وأن الأحرار يُضيقون على أنفسهم وعيالهم بما يكون منهم من وفاء لهذا المبدأ السامي ، فالتمسوا طريقاً لهم فيه تيسير ، وكان المُقَدّم الأول في ذلك خليفة المسلمين الراشد الأول أبو بكر رضي الله عنه، وجعل من دستور غنى النفس أنْ : إذا جاءك من هذا المال شيء من دون طلب واستشراف منك : فخذه وتَمَوّلْه ، فإنه عطيةُ الله إليك ، وبمثل هذه الإضافة الرفيقة إلى قانون النفوس العصامية : هدأت فوائر، واُنجدت عوائل ، واسترخى بال مشغول تستهلكه الوساوس ، بل : وانتقلت عقول من حالة الشرود والتعطل إلى حالة الإنتاج والحيوية والإبداع ، ولأبي بكر رضي الله عنه ضَلع من الأجر في كل ذلك ما تعاقبت الأيام وتعدّد المبدعون ، فإنه القادح الأول لهذه القدحة الخيرية المتوافقة مع منطق الشرع الحنيف .
•فإنما جعل الله الإنفاق والصدقات " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ اُحصِرُواْ فِي سَبيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا " البقرة / 273 .
قال ابن عطية : ( والضرب في الأرض : هو التصرف في التجارة ) ( وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كُفراً مطبقا ، وهذا في صدر الهجرة، فقلّتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة ، فبقوا فقراء ، إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم : أغنياء ).
وهذه حالة تتكرر ، وفي كل جيل هناك اُناس من المؤمنين هذه صفتهم ، والعصر الحاضر يشهد حالة " منع من التصرف في التجارة " من كافر ومستبد ، يمنعون المؤمنين ، بتضييق الفرص أمامهم ، وترويج الحرام في البنوك بحيث لا يستطيع المؤمن الاستفادة من التمويل والائتمان ، وبالانحياز إلى الفاسق في لجان إرساء المقاولات والعقود ، وفي أشكال أخرى، فيحصل أن يكون هناك مؤمنون إبداعيون لهم ذكاء وقوة وفطرة تجارية ، ولكن المحيط يعاكسهم ، فتراهم فقراء وتحسبهم أغنياء ، لعفتهم عن الحرام والشبهات ، ثم لعفتهم عن طلب المساعدة .
وأغنياء الدعاة وقادتهم مدعوون إلى فهم حالة هؤلاء النبلاء الذين تؤهلهم ظواهر الأحوال لكي يكونوا تجاراً وأغنياء ، ولكنهم آثروا التقوى ، أو آثروا الجهاد، أو رابطوا في ثغور العمل الدعوي المتنوع ، فمواساتهم واجبة ، بل التوسيع عليهم وتفريغهم والإجزال عند المقدرة ، لأن إبداعهم عند ذاك سيتفجر ويتضاعف ويزداد ، ولربّ خُطط يبتكرونها تدفع الدعوة صُعداً قيمتها في حياة التنافس السياسي والفكري مئات أضعاف ما يُنفق عليهم ، وهي إشارات لا يفهمها إلاّ ذو حظ عظيم من أغنياء المسلمين ، وخُطة التفريغ مُحكمة ، ويجب أن تمضي .
•ومما يُنبيك عن أن هذا النمط من غنى النفس صحيح : ذهاب الفلاسفة إليه واستحسانه وجعله أصلاً من أُصولهم في التربية والسلوك ، بَيْدَ أنّ الفلسفة ترى صواباً ، ثم تندم وتميل إلى تأويل خاطئ يحشر نفسه بجانب ذاك الصواب ، وهذا دأبهم .
وقد ( توجه فكر سقراط بأكمله بقصد الوصول إلى الاستقلالية والسيطرة الداخلية ) ، وهذا صواب وحق ، ويمثل بعض وجوه اقتراب سقراط من التوحيد ، فإن عقيدة الإسلام تدعو لمثل ذلك أيضاً ، ولكن ( تأملات صغار السقراطيين مالت جميعها نحو تمكين الإنسان من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي ، وبالتالي من الانطواء على ذاته ) ، وهذه توظيفات جيدة لمعطيات النفس الإنسانية في جانبها الخيري الزاكي، ولكن هذا الانطواء وقوع في الخطأ الصوفي السلبي، إذ المسلم ينهى عن المنكر ويُصلح ويجاهد أشكال الشر .






