د. عوض القرني

مجلة الأمة فيها عزمات وتوثب الشباب، وعصرية ومهنية التناول، وأصالة وعمق المحتوى؛ تتجه إلى الملفات الساخنة، والقضايا الشائكة، بجرأة .

المفكر راشد الغنوشي

مجلة الأم عززت صف الوسطية السمحاء، في مواجهة مختلف ضروب التطرف، مستقطِبة ألمع الأقلام لمخاطبة قطاعات متزايدة من الشباب، ومن المهمومين بهموم الإسلام والمسلمين والإنسانية.

د. طه جابر العلواني

مجلة الأمة.. صوت توازن ينطلق في وقت علت فيه أصوات التحيز، و استقامة في وقت سادت فيه الأصوات النشاز وأصوات الانحراف .

د. منير محمد الغضبان

هذه المجلة الرائدة في موضوعاتها- هي الخطوة الهامة على الطريق الصحيح للتغيير، وهي إيذان بفجر جديد، نهنئ أنفسنا ونهنئ الأمة على صدورها، وندعو لها من أعماقنا بمتابعة المسار، وتحقيق الهدف .

د. سعود الفنيسان

مجلة الأمة.. (سلفية عصرية)؛ عينها على الماضي، ويدها ممسكة باللقاء مع الحاضر.. جميلة الشكل في الاخراج والتبويب.

د. جابر قميحة

مجلة الأمة متميزة شكلا وموضوعًا، ففي الشكل جمعت إلى جودة الورق جمالَ الطبعِ والإخراجِ، ومن ملامح منهجها: الصراحة بلا شطط ولا إسراف؛ فهي تمثل الوسطية العادلة، ثم إنها مدرسةٌ معلموها أساتذة لهم باع طويل في الفقه والعلم والأدب..

د. سعيد بن ناصر الغامدي

مجلة الأمة تتوخى الريادة، وتنشد الإفادة، من خلال مقالات وموضوعات تهم الأمة في مسيرتها، ولها مجال سبق في استكتاب بعض الرواد .

 
 
الثلاثاء, 15 يونيو 2010 21:58

صُور من استعلاء النفوس

قيم هذا الموضوع
(1 صوت)
النفس في إعلانها عن كُنهها : تكون أحياناً من الشرف والإيجابية والإقدام بحيث ينتصب صاحبها رائداً مجازفاً من أجل النفع العام ، وهي الحالة التي كان يفخر بها الشاعر البدوي العَجّاج حين قال :
فقد أكون مَرةً رَوّادا
أطَّلع النِجاد فالنجادا
فهو رائد لقومه مبالغ في الريادة ، يتقدمهم إلى كل أرض هي نجد مرتفعة، ليكتشف المراعي ويدلهم عليها ، أي هو بعيد عن الأنانية والكسل بما عنده من مثابرة وتضحية ، ونفسُه نفس جماعية .
• ومن أحوال النفس في العلو ما يكون عند المحبين من حب دفين وهوى مكتوم ، لا تكاد تشعر به ، ولكن عند الرحيل والفراق والوداع يظهر في صورةِ :
دمعةٍ كاللؤلؤ الرطبِ على الخدّ الأسيلْ
وجُفونٍ تنفُثُ السِحرَ من الطرف الكحيلْ
إنما يفتضحُ العاشقُ في يوم الرحيلْ
وهذا من صدق النفس ونوايا الوفاء واستيلاء مفهوم العيش الجماعي ، بحيث تتصفى العواطف وتركن إلى التجرد ، وما من مُنكر في هذه الدمعات ، لأنها استجابة للفطرة الأصيلة ، فأين السوء إذا اختارت العفيفة الأصالة ؟
• والمجامِل : الذي يقدر على جوابك فيتركه إبقاءً على مودتك ، وهذا من سمو النفس ونـُبلها .
والمُجاملة : المعاملة بالجميل ، وقال أبو ذؤيب :
جَمَالَك أيها القلبُ القريحُ
ستَلقى مَن تُحِبّ فتستريحُ
يريد : إلزم تجملك وحياءك ولا تجزع ، فإنما أحببتَ بحكم الفطرة ، ومَن خلق الفطرة واختارها لك : يُتمّم لك أمرك ما دمتَ لم تفسق ولزمتَ العفاف .
• والتقوى تـُعلّم النفوس القوية تأويل مصائب الدنيا أنها أجرٌ أو نحتٌ من الذنوب يجعل حساب يوم الدين أيسر ، وهذا الدهر الذي ينال منا : ظاهرُ أمره أنّ أذيته بلا ثمن ولا تعويض ، وذلك قول الأفوه الأودي:
حَكمَ الدهرُ علينا أنه
طَلَفٌ ما نال منها وجُبار
والطَلَف : ذهاب السلعة بغير ثمن ، والجُبار مشهورة في مباحث الفقه في : جناية العجماء جُبار ، لكن الشاعر متوهِم ، فإن ذلك في الدنيا ، وأما مَن صَبر لنوائب الدهر فمأجور في الآخرة ، فضلاً من الله ونعمة .
• بل عِزّة النفس خُلُق بعض الحيوان النجيب أيضاً ، لا أحرار الناس فقط ، وإليها يشير الشاعر حين يقول :
كمِثل أَتانِ الوحشِ ، أمّا فؤادُها
فصعبٌ ، وأمّا ظهرها : فرَكُوبُ
( يقول : هي رَيّضةٌ ذليلةٌ ، ولعِزّة نفسها : يحسبها الناظر لم تُرَض ).
• العِصاميةُ ... عِصمةٌ وحِفظ لحيوية القلب .. !!
• وعَرَفَ الإنسانُ المعاناة ، وشظف العيش ، وما تتطلبه الحياة من الإنفاق الكثير على العيال والقرابة والضيف وإطعامهم وكسوتهم وتطبيبهم وتوفير المأوى لهم ، وفي الحياة المعاصرة ما يلحق ذلك من تعليمهم وتوفير بعض ما هو في عداد الترف لهم ، واكتشف أن لله حكمة في توزيع الأرزاق ، وأنه قد يمنع الزيادة عن بعض عباده ويجعل رزقهم كفافاً ، يديم حياتهم ، ولا يذيقهم الطيبات .
هنا ، ومع إلحاح الحال ، وتمنيات العيال والأزواج ، وحسرة فوات الأوفى الأكمل الذي تحدثهم به الأحلام : يكون امتحان النفس العظيم : أتجنح إلى لين فتطلب من غني قريب أو صديق ، أم تصبر وتلوذ بالعفاف، وتستمسك بطريقة عصام التي سوّدت عصاما ، وعلّمته الجد والإقداما ؟
وفي مثل هذه الحال اكتشف الإنسان لذة الإباء والأنفة ، وبهجة عزة النفس التي تترفع وتربي الذين يتبعونها من عيال على الصبر مترفعين .
وسمى الأدباء والمؤرِخون والواصفون هذه الحالة :
" غِنى النفس " ، وأجمعوا على أنها عند أحرار النفوس هي أرفع حالة وألذ شعور ، وأما من رجحت في نفسه عوامل الفجور على التقوى ، فإنها تكون حالة تفكير بانتقام من المجتمع وعدوان على الأغنياء ، فيعيش دهره في نوع توتّر وعبوس وأسف .
وقد سجل الشاعر القديم قيس بن الحَطِيم هذا الاكتشاف النفسي الخالد ، فقال :
غَنِيُّ النفسِ ، ما استغنتْ : غَنِيٌ
وفقر النفس ، ما عَمِرَتْ : شقاءُ
•وصار في مفهوم العقلاء وأهل الإيمان أن من منازل حَرَج النفس : سؤال الناسَ شيئاً من مالٍ أو من حاجات الدنيا .
قال ابن حبان : ( الهمُّ بالسؤال نصف الهَرَم ، فكيف المباشرة بالسؤال ؟ ومَن عَزّت عليه نفسُه : صغُرت الدنيا في عينيه ).
وأورد قول الشاعر :
لا تحسبنّ الموتَ مَوت البِلى
فإنما الموتُ سؤالُ الرجال
• ووعظنا الحكماء أن نلجأ في الأيام العصيبة إلى الله تعالى ، ثم إلى ما نملك من قُدرة ذاتية ومعنوية استعلائية ، فإنما تخدمنا :
جَلادةُ نفسٍ بَين جَنْبَيْ مُجَرِّبٍ
تهابُ قتادَ المَنِّ منه الأصابِعُ
وهذا من تقريرات ابن أحمد دام الشنقيطي.
فنفسُه الجَلدة التي تغذيها التجارب تمنع أصابعَهُ أن تكون السفلى ، فتأخذ من يدٍ عليا تمنّ ، بل تصبر وتتوكل ، وتؤمن أنها ليست مِنَن الناس تحرك الحياة حركة قوية ، بل هي ضعيفة .. ولكنْ غَنى النفسِ أمضى عزيمةً من العَضبِ جلاّه الكَمِيُّ المصارعُ
فامتلاء النفس أنفذ من رمحٍ بيد محارب شجاع ، وعنها تكون تحريكات الحياة .
•والتزاماً بهذا النمط الرفيع من السلوك النفسي : أدرك أهل الرفق من القادة والزعماء حصول حالات حرج حقيقي ، وأن الأحرار يُضيقون على أنفسهم وعيالهم بما يكون منهم من وفاء لهذا المبدأ السامي ، فالتمسوا طريقاً لهم فيه تيسير ، وكان المُقَدّم الأول في ذلك خليفة المسلمين الراشد الأول أبو بكر رضي الله عنه، وجعل من دستور غنى النفس أنْ : إذا جاءك من هذا المال شيء من دون طلب واستشراف منك : فخذه وتَمَوّلْه ، فإنه عطيةُ الله إليك ، وبمثل هذه الإضافة الرفيقة إلى قانون النفوس العصامية : هدأت فوائر، واُنجدت عوائل ، واسترخى بال مشغول تستهلكه الوساوس ، بل : وانتقلت عقول من حالة الشرود والتعطل إلى حالة الإنتاج والحيوية والإبداع ، ولأبي بكر رضي الله عنه ضَلع من الأجر في كل ذلك ما تعاقبت الأيام وتعدّد المبدعون ، فإنه القادح الأول لهذه القدحة الخيرية المتوافقة مع منطق الشرع الحنيف .
•فإنما جعل الله الإنفاق والصدقات " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ اُحصِرُواْ فِي سَبيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا " البقرة / 273 .
قال ابن عطية : ( والضرب في الأرض : هو التصرف في التجارة ) ( وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كُفراً مطبقا ، وهذا في صدر الهجرة، فقلّتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة ، فبقوا فقراء ، إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم : أغنياء ).
وهذه حالة تتكرر ، وفي كل جيل هناك اُناس من المؤمنين هذه صفتهم ، والعصر الحاضر يشهد حالة " منع من التصرف في التجارة " من كافر ومستبد ، يمنعون المؤمنين ، بتضييق الفرص أمامهم ، وترويج الحرام في البنوك بحيث لا يستطيع المؤمن الاستفادة من التمويل والائتمان ، وبالانحياز إلى الفاسق في لجان إرساء المقاولات والعقود ، وفي أشكال أخرى، فيحصل أن يكون هناك مؤمنون إبداعيون لهم ذكاء وقوة وفطرة تجارية ، ولكن المحيط يعاكسهم ، فتراهم فقراء وتحسبهم أغنياء ، لعفتهم عن الحرام والشبهات ، ثم لعفتهم عن طلب المساعدة .
وأغنياء الدعاة وقادتهم مدعوون إلى فهم حالة هؤلاء النبلاء الذين تؤهلهم ظواهر الأحوال لكي يكونوا تجاراً وأغنياء ، ولكنهم آثروا التقوى ، أو آثروا الجهاد، أو رابطوا في ثغور العمل الدعوي المتنوع ، فمواساتهم واجبة ، بل التوسيع عليهم وتفريغهم والإجزال عند المقدرة ، لأن إبداعهم عند ذاك سيتفجر ويتضاعف ويزداد ، ولربّ خُطط يبتكرونها تدفع الدعوة صُعداً قيمتها في حياة التنافس السياسي والفكري مئات أضعاف ما يُنفق عليهم ، وهي إشارات لا يفهمها إلاّ ذو حظ عظيم من أغنياء المسلمين ، وخُطة التفريغ مُحكمة ، ويجب أن تمضي .
•ومما يُنبيك عن أن هذا النمط من غنى النفس صحيح : ذهاب الفلاسفة إليه واستحسانه وجعله أصلاً من أُصولهم في التربية والسلوك ، بَيْدَ أنّ الفلسفة ترى صواباً ، ثم تندم وتميل إلى تأويل خاطئ يحشر نفسه بجانب ذاك الصواب ، وهذا دأبهم .
وقد ( توجه فكر سقراط بأكمله بقصد الوصول إلى الاستقلالية والسيطرة الداخلية ) ، وهذا صواب وحق ، ويمثل بعض وجوه اقتراب سقراط من التوحيد ، فإن عقيدة الإسلام تدعو لمثل ذلك أيضاً ، ولكن ( تأملات صغار السقراطيين مالت جميعها نحو تمكين الإنسان من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي ، وبالتالي من الانطواء على ذاته ) ، وهذه توظيفات جيدة لمعطيات النفس الإنسانية في جانبها الخيري الزاكي، ولكن هذا الانطواء وقوع في الخطأ الصوفي السلبي، إذ المسلم ينهى عن المنكر ويُصلح ويجاهد أشكال الشر .
المزيد من مواضيع هذا القسم: « نفضات الأحرار .. ترسم المدار