الداعية بين الارتقاء الإيماني والدعوة
ليست الإيمانيات والدعوة مسارين مختلفين، فطريق الدعوة طويل، يحتاج لزاد، بل يحتاج سالكه أن تفيض آنيته بالتقوى، لكي تنضح على الآخرين، وعلى الجانب الآخر؛ فإن عمل الصالحات، وفي مقدمتها الدعوة إلى الله، يزيد الإيمان.
فمجاهدة النفس في القيام بالطاعة، والبعد عن المعصية هي حياة القلوب، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ) (محمد: 17)، وقال علي- رضي الله عنه-: "إن الإيمان ليبدو لُمعَة بيضاء، فإذا عمل العبدُ الصالحات نمت، فزادت، حتى يبيضَّ القلب كله".
وكما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- "أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة، أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يُمضيَه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة، حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه، يوم تزول الأقدام" الطبراني، وحسنه الألباني.
فعبادات المرء الخاصة يعود نفعها عليه وحده، أما دعوته وتبليغه رسالة الله للناس، فيعود نفعها عليه وعلى الناس من حوله، وقد اتفق العلماء على أن العمل المتعدي نفعُه أحبُّ إلى الله ورسوله.
ما تقدم، وغيرُه الكثير، يبين حقيقة الإيمان، وأنه بناء من الأعمال الصالحة، أُسِّسَ على الإيمان واليقين، وكلّما زاد العمل الصالح للمرء زاد إيمانه، وكلّما زاد إيمان المرء أثمر عملا صالحًا، فالإيمان يزيد وينقص من قلب العبد، بحسب أعماله، ونقصانه يكون بالمعاصي، وزيادته تكون بالتوبة والعمل الصالح.
ولربما يقول بعض الدعاة: إنه مصاب بفتور في إيمانه، وإنه يحتاج وقتًا يقضيه في زيادة إيمانه، بعيدًا عن العمل الدعوي، ولهؤلاء الأحباب أقول: لا تجعل فتور إيمانك حائلا بينك وبين الدعوة، فزكاة العلم أداؤه، وبركة الدين تبليغه.
وربما إن نصحت الناس بشيء قليل تقوم به، كان ذلك دافعًا لك على القيام به، والمداومة عليه، ولو اشتُرِط العمل بكل ما نقول ما عمل أحد شيئًا، ولا قال أيضًا.
فاستثمر - أخي الداعية- وقتك، بالكثير من أعمال الدعوة إلى الله، وفي الوقت ذاته تُب إلى الله، مما تسبب في نقص إيمانك، وأكثر من الأعمال الصالحة، وألزم نفسك بوردٍ من القرآن، والدعاء والذكر والقيام، وسائر عباداتك الفردية.






