من أسماء الله الحسنى
ولكن هذا لا يناسب؛ لأنه عُرف في كثير من اللغات إطلاق اسم على الله (عز وجل) غير هذا الاسم، ولا يعرف كثير من أصحاب اللغات هذا الاسم، لا يمكن أن يُقصر على اللغات السامية؛ فهو معروف في العبرية، وفي العربية، وفي غيرهما من اللغات السامية.
وعلى أنه من العربية اختُلف فيه: هل هو مشتق أم مرتجل؟، فقالت طائفة من أهل العلم هو مرتجل؛ لأن صورته ليست على صورة الأسماء المشتقة؛ لأن الأسماء المشتقة إما مصدر أو اسم مصدر أو اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة أو اسم تفضيل أو صيغة مبالغة، وليس هذا الاسم شيئًا من ذلك.
لكن قالت طائفة هو إله عُرف بـ(ال)، وهذا غلط من ناحية التصريف؛ لأن إلهًا إذا عُرِّف بـ(ال) قيل فيه الإله، ولم يقال فيه اللاه، لكن قيل حُذفت الهمزة لصعوبتها في النطق، ولا شك أن الهمزة يقع التكلف بالنطق بها؛ ولهذا من العرب من يبدلها هاءً، كقول الشاعر:
إلا يأتنا برق على قلل الحمى *** لهنك من برق عليّ كريم
ولذلك يقول ابن بدر (يرحمه الله):
والهمز بالنطق به تكلف، فسهلوه تارة، وحذفوا وأبدلوه حرف مد محضًا، ونقلوه للسكون رفضًا، فهذا يدلنا على صعوبة النطق بالهمز، وبذلك إذا حُذفت الهمزة فيقال الله؛ لأن ال ستدغم بلام إله، فيكون الله، وعلى كل فإن كان مشتقًّا فإما أن يشتق من لاه، بمعنى احتجب؛ لأنه لا تدركه الأبصار، وفي هذا يقول الشاعر:
لاهت فما عُرفت يومًا لخارجة
ياليتها برزت حتى عرفناها
لاهت بمعنى احتجبت، أو أن يكون من لاه بمعنى ارتفع، ومنه قيل للشمس آلهة قال الشاعر:
تروحنا من الدهناء عصرًا *** وأعجلنا الإلهة أن تغيب
وقيل من أله إليه، بمعنى لجأ إليه؛ لأنه الملجوء إليه في كل الأمور، ومن هذا قول الشاعر:
ألهت إليكم من أمور تهمني *** فألفيتكم فيها كرامًا أماجدا
وقيل هو من أله إلاهة، كعبد عبادة، وزنا ومعنى، ولكن الراجح أن هذه الكلمة ليست من أصل العربية، وإنما هي مشتقة من الإله، وعلى كل فإنه لم يرد في القرآن من أسماء الله الحسناء، المستعملة استعمال الأسماء، إلا الله والرحمن فقط، بالنسبة لبقية الأسماء إنما جاءت مستعملة في القرآن استعمال الصفات، وكذلك في السنة، فمثلا جاء هذا الاسم فاعلا، في قول الله (تعالى): (وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) (النحل: 51)، وجاء مبتدأ: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: 255)، وكذلك جاء في محل نصب على المفعولية، في قوله: (وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) (النور: 39)، (لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (النساء: 649).
وكذلك الرحمن استُعمل استعمال الأسماء، كما في قوله: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وفي قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: 5)، ولم يرد استعمال غير هذين الاسمين هذا الاستعمال، لا في القرآن كله، ولا في السنة، فدل هذا على أن هذين الاسمين الكريمين من أعظم أسماء الله (سبحانه وتعالى)؛ ولهذا أتى بهذا الاسم مبتدأ هنا، وأخبر عنه بكل ما يأتي من الصفات العُلى.






