أدرك المثقلون بالهمِّ الدعوي والإصلاحي ، منذ بدايات محاولات النهوض الحديثة ، أن التدقيق في طرح الأسئلة حول هذه النهضة (أسبابها ، معوقاتها ، طريقها ...) يعني بداية إدراك الطبقات الأكثر عمقاً في مسائل التخلف والنهوض الحضاري ..
فهذا عبدالرحمن الكواكبي (1854ـ1902) يعقد في كتابه «أمُّ القرى» مؤتمراً وهميًّا في مكة المكرمة ، حيث يتخيل قدوم وفود من كل أصقاع العالم الإسلامي من أجل التداول والتفاكر في الأزمة الحضارية التي يعاني منها المسلمون . وقد رأى المؤتمرون أن تتركز مداولاتهم في العثور على أجوبة عن سؤالين أساسيين ، هما:
ـ ما العلل والأدواء التي تفتك بالأمة الإسلامية حتى انتهت إلى الوضعية التي هي فيها ؟
ـ ما الأدوية والعلاجات التي تحتاجها الأمة حتى تبرأ من أدوائها ؟
وقد ذكر الكواكبي ـ على ألسنة المؤتمرين ـ الكثير من العلل ، ووصف الكثير من العلاجات. والذي يبعث الأسى في النفس أن يظل معظم ما نطرحه اليوم من أسئلة ، وما نقدمه من الأجوبة ، قريباً جدًّا مما ذكرته تلك الوفودُ الإسلامية قبل ما يزيد على قرن من الزمان !
هذا يعني أن قدرتنا على حسم الأسئلة والنزاع حول كثير من الأجوبة لا تزال ـ حتى اليوم ـ محدودة !
... ...
ونحن هنا (في نهايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) نريد أن نطرح بعض الأسئلة التي نظن أنها ستحرض الوعي لدينا على الانتقال من الإدراك العام إلى إدراكٍ أكثـرَ عمقاً وتفصيلاً :
ـ حين نتحدث عن نهضة الأمة الإسلامية وعن الدور الحضاري الذي يمكن أن تقوم به ..
هل نريد أن نحسِّن مواقعنا داخل المنظومة الحضارية السائدة ، فنتحول في إطار الأصول والشروط الحضارية التي وضعها الغرب من أمة تستهلك المنتجات الحضارية إلى أمة تسهم في إنتاجها ، مما يعني تدعيم الحضارة الحالية وتعزيز استمرارها مع إنكارنا القواعدَ التي قامت عليها وإنكارنا أدبياتِـها ورمزياتِـها ـ ؟
ـ إذا كان هذا غير ملائم لنا ؛ لأنه يوقعنا في نوع من التناقض المنهجي ..
فهل نريد إذًا أن نؤسس حضارة جديدة تحاكي ، في أصولها ومنطلقاتها وأهدافها ، الحضارةَ الإسلاميـةَ التي وضع لبنتها الأولى نبينا صلى الله عليه وسلم ـ ؟
ـ إذا كان هذا هو المقصود ..
هل يتم هذا في ظل الحضارة الغربية الراهنة ، مما يعني إنشاء حضارة منافسة تستلهم عقائد ومبادئ ومُـثـُـلاً مغايرةً لما فيها ؟
أو أن المقصود هو دورة حضارية جديدة تعم العالم ، يكون للعرب والمسلمين فيها دور الريادة والقيادة ، مما يعني أن الحضارة التي نريد لها أن تقوم لن تقوم إلا على أنقاض الحضارة الغربية؟
الخيار الأول يعني أن علينا أن ننشئ نُـظُـماً جديدة في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية والصناعية والإدارية ؛ لأن ما لدينا من نُـظُم تراثية موروثة في هذه المجالات غير كاف لتسيير دفة الحياة العصرية، وبعضه غير ملائم ولا صالح . فهل نملك إمكانات مثل هذا العمل الكبير؟ ومن أين تكون البداية ؟
أما الخيار الثاني ؛ فإنه يعني أن المطلوب منا الآن هو العمل على هزيمة الحضارة الغربية وهدم أركانها تمهيداً لتشيـيد حضارة إسلامية تحل محلها . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل مثل هذا العمل ممكن ؟ أم أنه من الأمور شبه المستحيلة بالنسبة إلينا وإلى غيرنا ؟
وفي كل الأحوال : هل يمكن للعالم الإسلامي أن ينشئ حضارة منافسة أو بديلة عن الحضارة الغربية وهو مشرذم وموزع على ما يزيد على خمسين دولة ؟
وبالتالي : هل يكون علينا أولاً أن نسعى إلى توحيد المسلمين وجمع كلمتهم قبل أن نفكر في إنشاء حضارة بديلة أو منافسة ؟ وإلى أي حد يمكن القيام بهذا الأمر في ظل التخلف الموجود الآن وفي ظل الارتباطات الوثيقة القائمة بين معظم الدول الإسلامية والدول الغربية ، حيث إن العلاقات التجارية بين الدول الإسلامية أضعف بكثير من العلاقات القائمة بينها وبين الدول الغربية ؟
ـ علينا بعد هذا أن نتساءل : لماذا لم نستطع عبر ما يقرب من قرن ونصف من الزمان استيعابَ التطورات الحضارية والتقنية والصناعية التي حدثت في العالم من حولنا ؟ وما العوامل التي أدت إلى بقائنا على هامش الحضارة عوضاً عن أن نكون في لُـجَّـتها ؟
أيكون سببَ هذا بُـعـدُنا عن الإسلام؟ أم أنه الاستعمار وتآمره علينا ؟ أم عدمُ وقوفنا من الغرب موقف التلميذ النجيب ـ كما فعلت اليابان مثلاً ـ ؟ أم تمسكُنا بعادات وتقاليد بالية وموروثة عن عصور الانحطاط؟
إذا كان الجواب : إن واحداً منها هو السبب ؛ فكيف يتم التغلب عليه ؟
وإذا كانت هذه الأسباب تقف مجتمعة وراء ما نحن فيه ؛ فما وزن كل سبب منها في تعثر النهضة ؟
... ...
المنطق يقضي أن نطرح أولاً الأسئلة الكبرى ، ثم نتدرج نحو الأسئلة الصغرى .
وفي مجال التخلف والنهوض يبقى السؤالان الكبيران هما :
ـ لماذا تخلف المسلمون ؟ أو(كما عنون أمير البيان شكيب أرسلان (1869ـ1946) رسالـتَـه الشهيرة قبل نحو ثمانين عاماً !) : «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟» .
ـ ما الذي علينا أن نقوم به من أجل النهوض بالأمة؟
وفي إطار هذين السؤالين لدينا بحـرٌ من الأسئلة الصغيرة .
وفي كل الأحوال .. يظل التساؤل قائماً :
كيف يمكننا أن نعمم هذه الأسئلة وأشباهها ؟
وكيف يمكن إيصال ما يتبلور من أجوبة عليها إلى أمة تشكل اليوم أكثر من خمس سكان العالم؟
... ...
إننا من وراء طرح مزيد من الأسئلة لا نطمع في قطع دابر الخلاف حول تحديد جوهر مشكلاتنا أو تحديد أكثرها خطورةً ؛ فذاك أمر قد يكون عسير المنال في المدى المنظور .. لكن الذي نطمح إليه هو إيجاد أسس متينة للخلاف ، وبناء معقوليات وأُطُـر تتحرك خلالها أقوالُ المتحاورين والمنـظِّـرين والمشخِّـصين ؛ مما قد يضيـِّـق بدوره دائرةَ الخلاف ، ويقـرِّب بين الأقوال المتباينة .
... ...
وقد يكون من المفيد أن نعقد لكل مشكلة كبرى جلسات لعصف الأفكار ، لا تـُـقدَّم فيها الحلول ، ولكن تثار فيها التساؤلات ، وتـُـتداول فيها التعليلات .. بغية فهم أعمق لطبيعة المشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة .
في جلسات عصف الأفكار يطرح كل واحد من المشاركين ما شاء من أسئلة وتعليلات دون أن ينقده أو يرد عليه أحد ، ويقوم أحد المشاركين بتلخيص كل ما قيل وتوزيعه على الحاضرين . وفي جلسة تالية تُـناقَـش حصيلة الجلسة السابقة ويُـغربـَـل ما قيل فيها ، من أجل تحديد الأسئلة والتعليلات الأكثر محورية ، وتلك التي لاقت استحسان معظم المشاركين ، واستبعادِ غير الجوهري .
وإذا تم التحضير الجيد للموضوعات التي سيتم التساؤل حولها ؛ فإن ما يمكن أن نحصل عليه قد يكون أكبر بكثير مما نظن .